الشيخ جعفر كاشف الغطاء

120

كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء ( ط . ج )

ومن تأمّل في دعواته ومناجاته وأوراده المنقولة عنه وصلاته ، ظهر ذلك له كلّ الظهور . وأمّا الحلم فكان عليه السلام أحلم الخلق وأشدّهم عفواً ، وينبئ عن ذلك : عفوه عن عائشة بعد ما فعلت فعلها الشنيع ، وعفوه عن عبد اللَّه بن الزبير ، وكان أشد الناس له عداوة ، وعفوه عن سعيد بن العاص بعد ظفره به . وعن أهل البصرة بعد انكسار شوكتهم ، ونادى مناديه : لا يُجهز على جريح ، ولا يُتبع مدبر ، ولا يُقتل مستأسر ، ومن ألقى سلاحه فهو أمن ، ولم يأخذ أثقالهم ، ولا سبى ذراريهم ( 1 ) . وعن عسكر معاوية ، لمّا منعوه من الماء ، فوقع عليهم وكشفهم عنه بعد المقاتلة العظيمة ، فشكوا إليه العطش ، فأمر أصحابه بتخلية الشريعة لهم ، وقال : « في حدّ السيف ما يُغني عن ذلك » ( 2 ) . وأمّا الفصاحة فهو إمام الفصحاء ، وسيّد البلغاء ، وفي كلامه قيل : إنّه فوق كلام المخلوقين ودون كلام الخالق ( 3 ) . وقيل في ذلك : أنّه لو لم يكن في البرية قرآن لكان نهج البلاغة قرآنهم . وفي النظر في خطبه ، ومواعظه ، ومناجاته ، ودعواته ، ما يغني عن البرهان . ولما قال محقن بن أبي محقن لمعاوية : جئتك من عند أعيا العرب يعني عليّاً فقال له معاوية : ويحك ، واللَّه ، ما سنّ الفصاحة لقريش غيره ( 4 ) .

--> ( 1 ) مروج الذهب 2 : 378 ، شرح نهج البلاغة 1 : 23 ، ينابيع المودة 1 : 450 . ( 2 ) ينابيع المودّة 1 : 451 ، مروج الذهب 2 : 386 . ( 3 ) وشرح نهج البلاغة 1 : 24 . ( 4 ) وشرح نهج البلاغة 1 : 24 .